دعوة للمشاركة فى إنقاذ نهر النيل

ربما كان لافتا أن يدعو وزير الموارد المائية والرى، وهو طبقا للدستور، المسؤول الأول عن نهر النيل- إلى إنقاذ النيل، لكنها الحقيقة التى يجب أن نواجهها جميعا بكل شجاعة، فالنيل يتعرض لتعديات وانتهاكات تراكمت على مدى ثلاثين عاما، تجعل من الصعوبة بمكان أن يتولى مسؤوليتها جهة واحدة، حتى ولو كانت وزارة الموارد المائية والرى، بما تمثله من خبرات متراكمة فنية وإدارية.

حينما توليت مسؤولية الموارد المائية فى الحكومة الحالية، وجدت أكثر من ١٤٢ ألف مخالفة تعدٍّ على نهر النيل، تمت إزالة ٩١ ألف حالة منها خلال الفترة من يوليو ٢٠١٣ وحتى ديسمبر الماضى. وتبقت ٥١ ألف حالة تعدٍّ قديمة، بالإضافة إلى التعديات الجديدة التى تقع بشكل يومى.

وعلى الرغم من المجهود الكبير الذى بذلته الوزارة خلال عام ٢٠١٤ والذى نجحنا فيه فى تحقيق نسبة إزالة بلغت ٥٤% (٥٤٠٠ إزالة من عشرة آلاف حالة تعدٍّ هى حصيلة التعديات فى عام ٢٠١٤)، وهى تساوى إجمالى ما تمت إزالته خلال الأعوام الثلاثة السابقة مجتمعة (٢٠١١ و٢٠١٢ و٢٠١٣)، لكن الميراث القديم من التعديات ما زال يقف كجبل ضخم يتحدى مجهوداتنا، ما يستدعى تفكيرا مختلفا للتعامل مع تلك المشكلة.

لذلك تم إطلاق حملة قومية لإنقاذ نهر النيل من التعديات التى يتعرض لها، وهى حملة دشن فعالياتها المهندس إبراهيم محلب، رئيس مجلس الوزراء، فى سابقة هى الأولى من نوعها فى تاريخنا الحديث كله، بأنه سيواجه المتعدين على النهر بنفسه، والحقيقة أن هذا التصريح يأتى مكملا ومؤكدا لتصريح أسبق للرئيس عبدالفتاح السيسى الذى توعد المتعدين على النيل بقطع أياديهم. وهذا يعنى أن السلطة التنفيذية فى مصر تضع النيل لأول مرة فى بؤرة اهتمامها وتحت رعايتها.

هذا الاهتمام يستدعى تنفيذ حملة مختلفة فى مفهومها وتطبيقها، تبدأ من يناير الجارى، وتنتهى مرحلتها الأولى فى ديسمبر ٢٠١٥. حيث تعتمد على مشاركة كل شرائح المجتمع فى تنفيذها، أحزابا سياسية ونقابات مهنية، وزراعية وعمالية، ومثقفين وفنانين وإعلاميين، بالإضافة إلى الاستعانة بمراكز التأثير فى المجتمع، وعلى رأسها الأزهر الشريف والكنيسة.

كما سيتم إجراء عملية فرز وتصنيف لـ٥١ ألف حالة تعدٍّ حالية، الأكثر تأثيرا وإضرارا، وستوضع فى أول القائمة للبدء بها حتى تشكل عامل ردع للبقية، فيقوم أصحابها بالإزالة من تلقاء أنفسهم، وبذلك يتم توفير وقت وجهد الحملة. كما سيتم إعفاء المتعدى من سيف القانون فى حالة قيامه بالإزالة بشكل طوعى. نطاق عمل الحملة سيمتد لكل المحافظات النهرية، لكننا سنركز على منطقة القاهرة الكبرى (القاهرة- الجيزة- القليوبية) والتى تشهد محافظاتها أكبر عملية تعدٍّ على النهر على مرأى ومسمع من الجميع لسنوات طويلة.

وتم تحديد أدوار لكل جهة تقوم بها، فالأزهر والأوقاف يقومان بتناول موضوعات المياه أثناء صلوات الجمع والدروس الدينية، وتتناوله الكنيسة فى دروس الأحد. كما يتم التنسيق مع وزارة الشباب لعقد ندوات من خلال مراكز الشباب، وقصور الثقافة المنتشرة فى ربوع مصر، من خلال بروتوكول بين وزارتى الرى والثقافة يجرى تنفيذه حاليا. ويتم تشجيع الجمعيات الأهلية للقيام بنشاط توعوى فى نطاق عملها. ويتم فى إطار الحملة تعديل وتطوير المناهج الدراسية، من خلال لجنة مشكلة من خبراء المياه والرى وخبراء المناهج التربوية بوزارة التربية والتعليم، على أن تحتوى مناهج العام القادم ٢٠١٦ على سياسة واضحة للموضوعات المتعلقة بالنيل، تهدف لتنشئة جيل جديد يحمل رؤى وسلوكيات إيجابية نحو النيل.

وهناك مكون مؤسسى مهم للحملة، حيث تبدو الحاجة لتعديل التشريعات القديمة التى تتولى حماية النهر، وهى تشريعات تنحصر فى قانونين اثنين يعود أحدهما لعام ١٩٨٤ والآخر لعام ١٩٨١، وتبدو المفارقة حينما تكون جريمة التعدى على النيل فى هذين القانونين لا تتجاوز غرامة من ٥٠ إلى ٣٠٠ جنيه ودون أى رادع جنائى، وقد تم تدارك هذا الأمر بموافقة مجلس الوزراء على رفع الغرامة المالية لتصل إلى ٥٠ ألف جنيه، ووضع عقوبة جنائية تصل للحبس.

وهناك مكون تنفيذى شديد الأهمية، لأنه يرتبط بشكل مباشر بالإبلاغ عن التعديات، فكلما تم رصد التعدى، وهو فى مرحلة مبكرة كان من السهل التعامل معه وإزالته، لذلك تم تخصيص رقم ساخن هو ١٥١٦ وهو رقم مجانى يقوم المواطنون باستخدامه للإبلاغ عن أى حالة تعدٍّ على النيل.

واستعدادا للحملة، فقد خصصت الوزارة خلال العام المالى الحالى استثمارات قدرها ٢٥٦ مليون جنيه لأعمال حماية وتطوير نهر النيل، وهى الاستثمارات الأضخم خلال تاريخها، وتتضمن شراء معدات لتدعيم أعمال الإزالات (٤٠ مليون جنيه)، وأعمال تطهير مجرى نهر النيل (٢٥ مليون جنيه)، وأعمال حماية جوانب نهر النيل وتطوير واجهاته (١٩١ مليون جنيه) بالتعاون مع الصندوق الاجتماعى.

سيتم تنفيذ الحملة من خلال منظومة تشمل مستوى قومى، ومستوى مركزى تنفيذى، ومستوى إقليمى بالمحافظات، والمنظمات غير الحكومية، ومستوى المواطن العادى.

الإشراف المباشر على الحملة، من خلال المجلس الأعلى لحماية نهر النيل برئاسة السيد المهندس رئيس مجلس الوزراء، وأمانة فنية لوزارة الموارد المائية والرى وعضوية كافة الوزارات المعنية. وتبدو أهمية دور المجلس الأعلى لحماية النيل أنه منوط بإعداد الاستراتيجيات والسياسات لحماية نهر النيل، وإعداد قاعدة بيانات عن حالة مياه النيل وتحديث هذه البيانات بصفة مستمرة، ووضع آلية لتبادل البيانات الخاصة بحالة النيل بين الجهات المعنية. كما يقوم المجلس بمراجعة خطط عمل الوزارات المعنية والمشروعات التى تقوم بها للحد من تلويث النيل والتعدى عليه، وتوفير الاعتمادات اللازمة لتمويل المشروعات التى يتم الموافقة عليها لحماية النيل وفروعه من التلويث والتعدى.

اللجنة المركزية تختص بدراسة وتحليل ومتابعة تقارير رؤساء الإدارات المركزية للموارد المائية والنيل، ووضع كافة التيسيرات والحلول اللازمة لرفع العمل وتحقيق الخطط. ورفع تقرير شهرى يتضمن وضعا تحليليا لموقف الإزالات وتحديد أفضل محافظة وأفضل إدارة عامة وتوفير متطلبات تنفيذ المشروع.

كما يتم إنشاء لجان إقليمية بالمحافظات المعنية لمتابعة تنفيذ الحملة، تقوم بمتابعة تنفيذ كافة الإزالات للمخالفات القائمة التى يتم الإبلاغ عنها، والتنسيق اللازم والتوجيهات اللازمة لتنفيذ خطة الإزالات الفورية والإزالات القائمة، ومتابعة توافر وتجهيز القوات اللازمة للإزالات، ومتابعة تنفيذ برنامج الإزالات ومتابعة الموارد المطلوبة لذلك (البشرية والمعدات اللازمة)، ومتابعة توافر المعدات فى المواقع اللازمة بها إزالات بالتنسيق مع أجهزة وزارة الموارد المائية والرى والجهات الأمنية بالمحافظة.

كما سيتم إنشاء منظومة مراقبة وتقييم للمشروع يوميا (قياس إنجاز– تعديل مسار– تحفيز– عقاب)، مع وضع منظومة تحفيز لتشجيع الكافة على الحفاظ على النهر تشمل: تحفيز شهرى (أفضل أداء، أفضل محافظة، أفضل مواطن، تحفيز نصف سنوى، أفضل جمعية أهلية، أفضل منشأة)- تحفيز سنوى (أفضل مدرسة، أفضل جامعة).

وبالتوازى مع تنفيذ الحملة يجرى توزيع وتوقيع وثيقة النيل التى تتضمن نصوصا مستقاة من القسم الفرعونى القديم بحماية النهر، الوثيقة تحمل نفس المعنى وندعو جموع المصريين للتوقيع عليها ترسيخا لمبدأ مسؤولية الجميع عن النهر، ومن المستهدف جمع توقيعات ٦٠ مليون مصرى على تلك الوثيقة خلال فترة الحملة، هو رقم طموح، لكنه يساوى، ويوازى طموح المصريين فى استعادة نهرهم الذى تمت استباحته لسنوات طويلة.

هذه الوثيقة يتم توزيعها من خلال النقابات والوزارات وجمعيات المجتمع المدنى والأحزاب وكل التجمعات التى تضم المصريين بكافة شرائحهم. حفظ الله مصر وشعبها ونيلها من كل سوء.